فخر الدين الرازي

163

المطالب العالية من العلم الإلهي

والثناء ، كان ذلك أبلغ في التعظيم مما إذا وصفه بعض الأراذل بذلك . فكذا هاهنا . ثم نقول : وأيضا : يمكن حمل قوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ على أن يكون المطلوب تنزيلهما منزلة المسلمين في المدح والتعظيم ، أو في تكثير الألطاف في الدنيا ، أو في تكثير الثواب في الآخرة . والمسلم إن كان يستحق كل ذلك على اللّه تعالى ، إلا أنه لا يبعد أن يقال : إنه متى سأل اللّه تعالى ذلك ، فإنه لأجل ذلك السؤال يستحق مزيدا في هذه الأمور . ثم نقول : أيضا : لا يبعد حمله على التمكين من الإسلام في الزمان المستقبل ، ولا يبعد أن يتوقف حسن تمكينها في المستقبل على إقدامها على ذلك السؤال . فثبت بما ذكرنا : أن قوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ محتمل لكل واحد من هذه الوجوه الثلاثة ، فكان الجرم بحمله على الإيجاد والتكوين تحكما محضا . سلمنا : أن المراد من الجعل : التكوين والتصيير . لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه : خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام ؟ لأن من فعل اللّه تعالى به ذلك ، فقد جعله مسلما ألا ترى أن من أدّب ولده حتى صار أديبا ، فإنه يجوز أن يقول له : إني صيرتك أديبا وجعلتك عالما . وفي ضد ذلك يقال : إنه جعل ولده لصا محتالا . ثم نقول : هذه الآية متروكة الظاهر . لأنهما وقت هذا السؤال ، كانا مسلمين . فقوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ يقتضي طلب تحصيل الحاصل . وهو باطل . ثم نقول : هب أن ظاهر هذه الآية يقتضي كونه تعالى خالقا للإسلام ، لكنه على خلاف الدلائل العقلية . لأنه لو كان فعل العبد مخلوقا للّه تعالى ، لما استوجب العبد به مدحا ولا ذما ولا ثوابا ولا عقابا . وباللّه التوفيق . والجواب عن السؤال الأول من وجهين : الأول : إن الجعل المتعدي إلى مفعولين ، هو أن يصير موصوفا بصفة . فقوله : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ أي صيرنا موصوفين بصفة الإسلام